قيم هذا الكتاب
خواطر الشعراوي - سورة التكوير
هل أنت مستعد لرؤية يوم القيامة "رأي عين"؟
سورة التكوير ترسم لك المشهد الختامي للوجود.
في هذه السورة، لا يكتفي الوحي بإخبارك عما سيحدث، بل يجعلك "تراه".
تبدأ الرحلة بزلزال كوني يقلب موازين الطبيعة؛ شمسٌ يُلفُّ ضياؤها، نجومٌ تتناثر كعقدٍ انفرط، وجبالٌ صلبة تتحول إلى سراب يطير في الهواء. حتى تلك الأشياء التي نتقاتل عليها اليوم، كأموال "العشار" وجاه الدنيا، ستصبح في ذلك المشهد بلا ثمن.
ومع الشيخ الشعراوي، سنغوص في أسرار هذا العرض المهيب.. سنفهم لماذا تُسأل الموءودة عن ذنبها تقريعاً لقاتلها، وكيف تُنشر الصحف التي كُتبت فيها أدق تفاصيل حياتنا.
لكن السورة لا تتركنا في هول المشهد فحسب، بل تأخذنا إلى السماء حيث "الخُنّس والكنّس"، لتوثق أعظم اتصال بين الخالق والخلق عبر "رسولٍ كريم" ذي قوة ومكانة.
وفي الختام، وبعد أن تُسدّ أمامنا كل المسارات، يتردد في أعماقنا السؤال الوجودي الأصعب: "فأين تذهبون؟".
الأفكار الرئيسية للكتاب
-
الانقلاب الكوني الشامل: تصوير لحظة نهاية المهمة لهذا الوجود، حيث تتغير قوانين الطبيعة (الشمس، النجوم، الجبال) إيذاناً ببدء مشهد الحساب.
-
مبدأ المسؤولية الفردية: التأكيد على أن كل نفس ستحضر عملها، وأن الحساب سيقوم على ما قدمه الإنسان بمشيئته واختياره.
-
توثيق مصدر الوحي: إثبات صدق القرآن وسلامة الوسيط (جبريل عليه السلام) ونفي كل التهم عن النبي ﷺ (الجنون أو اتباع الشياطين).
-
المشيئة البشرية والقدر الإلهي: توضيح العلاقة بين رغبة العبد في الاستقامة وبين مدد الله وتأييده (مشيئة الطلب ومشيئة الإعانة).
ماذا تجد في الكتاب؟
-
تقريب المعاني بالمنطق: كيف أن "تكوير الشمس" ليس مجرد شكل، بل هو إعلان لانتهاء مهمتها وحجب ضيائها عن الأرض.
-
القيم الجمالية والبيئية: شرح لمعنى "عسعس" و"تنفس"، وكيف صور القرآن الزمن ككائن حي يشعر ويتنفس.
-
لفتات تربوية واجتماعية: لماذا سأل الله "الموءودة" ولم يسأل "القاتل"؟ وكيف كان السؤال قمة التقريع والإهانة للمجرم.
-
تصحيح المفاهيم: الفرق بين رؤية النبي ﷺ لجبريل كـ "ذات مستقلة" وبين الهواجس النفسية، لترسيخ اليقين بأن الوحي أمر سماوي خارجي.
-
سؤال الحقيقة: الوقوف عند "فأين تذهبون؟" كصرخة تنبيه لكل من ضل الطريق بعد أن سُدت أمامه كل الحجج.
مُختصر المُختصر
تبدأ سورة التكوير بإيقاع زلزالي يخلع القلوب، حيث ترسم اثني عشر مشهداً لانقلاب كوني شامل؛ شمسٌ يُلفُّ ضياؤها، نجومٌ تنكدر وتتساقط، وجبالٌ صلبة تتحول إلى سراب. في تلك اللحظة، تسقط اهتمامات الدنيا وقيمها؛ فتُهمل العشار، وتُحشر الوحوش رغم توحشها في ذلٍّ وانكسار، وتتحول البحار الهادئة إلى نيران مستعرة. هذا المشهد الرهيب ليس لمجرد التخويف، بل هو إعلان عن "يوم الحقيقة" حيث تعود الأرواح لأجسادها، وتُنشر الصحف التي أحصت كل دقيق وجليل، ويُسأل فيها المظلوم سؤالاً يزلزل الظالم؛ كالموءودة التي تُسأل عن ذنبها تقريعاً لمن قتلها. والغاية من هذا كله هي الجملة الفاصلة: "عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ"؛ فالحساب بالعمل لا بالأماني.
ثم ينتقل السياق إلى قسمٍ إلهيٍ بديع بالنجوم المختفية (الخُنس) والليل والصبح، ليؤكد حقيقة الوحي. فالقرآن ليس قول شيطان، ولا هو هواجس نفس، بل هو قولُ رسولٍ كريم (جبريل) ذي مكانةٍ وقوة عند ذي العرش، نقله بصدق إلى النبي ﷺ الذي رآه عياناً بالأفق المبين. تنفي السورة عن النبي ﷺ تهمة الجنون أو البخل بالوحي (الضِّنّة)، لتضع البشرية أمام مفترق طرق.
وتختتم السورة بصرخة توقظ الغافلين: "فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟"؛ فبعد أن سُدت كل الحجج، لم يبقَ إلا طريق الاستقامة لمن أراد. وهي استقامة تبدأ بمشيئة العبد وطلبه للهدى، وتكتمل بمشيئة الله وتوفيقه، لتؤكد أن الإنسان مخيّر في نطاق التكليف، ومُحاطٌ برعاية رب العالمين في طريق الوصول.
الإقتباسات
“"وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ". وهل تسأل الموءودة أم أن وائدها هو الذي يُسأل؟ هذا السؤال وإن كان موجهٌ إلى الموءودة، إلا أنه تقريعًا للأب بأنه ما كان يصح أبدا أن يَعتدي عليها إلا إذا كانت قد ارتكبتْ ذَنباً، وحيث لا ذَنب فمعنى ذلك أنك قد افتريت عليها.“
“ في هذه الآية "عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ"، كان القياس اللغوي يستلزم أن يكون الجواب هو: علمت نفسٌ ما أُحضِر لها. إنما قال: ما أحضَرَتْ، وكأن النفس هي التي فعلت.“
“ "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ". لم يُبدأ بالكلام عن ذات الحق سبحانه وتعالى هنا، لأن مسألة الحق مسألة منتهية، كأنها أصل فطري، فكلمة "رَسُولٍ كَرِيمٍ"، توحي بأن الرسول هو الواسطة في التبليغ بين مرسِل ومرسَل إليه.“
“ "وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ". صاحبكم توحي بأن الحكم كان منكم قبل أن يصدر مني لاصطفائه رسولا، وكلمة "بمجنون" تنفي عنه كل خصال التلف والشر.“
“ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ" لَقَدْ نَفَى الْقُرْآنُ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي أَذْهَانِ الْبَشَرِ عَمَّنْ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؛ لِأَنَّ مَنْهَجَ الْقُرْآنِ فِي أَصْلِهِ هُوَ "حَرْبٌ عَلَى الشَّيْطَانِ"، وَمَا دَامَ الْكَلَامُ فِيهِ حَرْبٌ وَهَدْمٌ لِعَرْشِ الشَّيْطَانِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنِ الشَّيْطَانِ أَبَدًا.“
“ حين سدّ الحقُ عليهم جَميع المنافذ، وعلموا أنه لا سبيل إلا منهج الله، الواصل إليهم عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم، فيقولُ الله عز وجل لهم: فأخبروني الآن .. أين تذهبون؟“
“ وكلمة "فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ"، لا يقولها إلا من حَبَسَ جميع الطرق المؤدية للغاية، ولم يبق إلا طريقا واحدًا، وهو قائم على هذا الطَريق. وهنا لا ينبغي أن يُجيب الخلق إلا بشيءٍ واحد وهو: لا سبيل إلا هذا.“
“ أَمَّا قَوْلُهُ "إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ" فَهِيَ "مَشِيئَةُ الْإِحَاطَةِ وَالْمَعُونَةِ"؛ فَأَنْتَ عَلَيْكَ أَنْ تَخْتَارَ التَّوَجُّهَ أَوَّلًا بِمَشِيئَتِكَ الَّتِي مَنَحَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَإِذَا صَدَقْتَ فِي طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ، جَاءَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِتُعِينَكَ وَتُيَسِّرَ لَكَ الْأَسْبَابَ.“
““
قد يعجبك قرائتها ايضا